النويري

25

نهاية الأرب في فنون الأدب

وقيل للنبىّ صلى اللَّه عليه وسلم : عجّل عليك الشيب يا رسول اللَّه ، قال : « شيّبتني هود وأخواتها » . قيل : هي عبس ، والمرسلات ، والنازعات . وقيل لعبد الملك بن مروان : عجّل عليك الشيب يا أمير المؤمنين ، قال : شيبنى ارتقاء المنابر وتوقّع اللحن . وقال بعضهم : خرجت إلى ناحية الطَّفاوة ، فإذا أنا بامرأة لم أر أجمل منها ، فقلت : أيتها المرأة ، إن كان لك زوج فبارك اللَّه له فيك ، وإلا فأعلمينى . قال فقالت : وما تصنع بي ؟ وفيّ شئ لا أراك ترتضيه . قلت : وما هو ؟ قالت : شيب في رأسي . قال : فثنيت عنان دابتي راجعا ، فصاحت بي : على رسلك ، أخبرك بشئ ، فوقفت وقلت : وما هو ، يرحمك اللَّه ؟ قالت : واللَّه ما بلغت العشرين بعد ، وهذا رأسي فكشفت عن عناقيد كالحمم ، وقالت : واللَّه ما رأيت برأسى بياضا قطَّ ، ولكن أحببت أن تعلم أنّا نكره منك ما تكره منا ، وأنشدت : أرى شيب الرّجال من الغوانى بموضع شيبهنّ من الرجال ! قال : فرجعت خجلا ، كاسف البال . قال أبو تمام : غدا الشيب مختطا بفودىّ خطَّة سبيل الرّدى منها إلى النفس مهيع . هو الزّور يجفى ، والمعاشر يجتوى ، وذو الإلف يقلى ، والجديد يرقّع . له منظر في العين أبيض ناصع ، ولكنه في القلب أسود أسفع . وقال آخر : تقول لمّا رأت مشيبى بدا ، وعندي له انقباض : لا ترج عطفا عليك منّى ، سوّد ما بيننا البياض !